Min menu

Pages

خبير اقتصادي: الزمن قد يكون أخطر من سعر النفط نفسه

 

باهر عبد العزيز 

بواسطة فريق: إيجي جيت نيوز 

كشف الخبير الاقتصادي باهر عبد العزيز أنه في كل مرة ترتفع فيها أسعار النفط عالميًا، يتجه الاهتمام فورًا إلى الرقم الذي يصل إليه سعر البرميل. هل تجاوز 90 دولارًا؟ هل اقترب من 100 دولار؟ لكن في الواقع، قد يكون السؤال الأكثر أهمية ليس كم بلغ السعر، بل كم سيبقى عند هذا المستوى


خلال الأسابيع الأخيرة، شهدت الأسواق العالمية قفزة واضحة في أسعار النفط، حيث ارتفع سعر خام برنت من نحو 66 دولارًا للبرميل في منتصف فبراير 2026 إلى مستويات تقترب من 95 إلى 100 دولار للبرميل، مدفوعًا بتصاعد التوترات الجيوسياسية في منطقة الشرق الأوسط. هذه القفزة تمثل زيادة تتراوح بين 45 و50% خلال فترة زمنية قصيرة نسبيًا


لكن المثير للاهتمام أن هذه القفزة الكبيرة في الأسواق العالمية لم تنعكس بنفس النسبة على أسعار الوقود في مصر. فالزيادات المحلية تراوحت بين 15% و17% فقط، وهي نسبة أقل بكثير من الارتفاع العالمي. وهذا الفارق ليس تفصيلًا بسيطًا، بل يعكس اختيارًا اقتصاديًا واضحًا


في مثل هذه الحالات، تحاول الحكومات تحقيق توازن دقيق بين مسارين متعارضين: من ناحية تقليل الضغط على الموازنة العامة للدولة، ومن ناحية أخرى الحد من انتقال صدمة الأسعار العالمية إلى الاقتصاد المحلي، خاصة إلى معدلات التضخم


الطاقة ليست مجرد سلعة، بل هي عنصر أساسي يدخل في تكاليف النقل والإنتاج والخدمات. أي ارتفاع كبير في أسعارها ينعكس سريعًا على أسعار السلع والخدمات في الاقتصاد ككل. لذلك فإن تمرير الزيادة العالمية بالكامل إلى السوق المحلي قد يؤدي إلى موجة تضخمية واسعة


لكن في المقابل، فإن عدم تمرير هذه الزيادات بالكامل يعني أن الموازنة العامة تتحمل جزءًا من الفارق. وهنا تظهر أهمية الافتراضات التي تُبنى عليها الموازنة


فموازنة العام المالي 2025/2026 بُنيت على سعر مرجعي للنفط يقارب 75 دولارًا للبرميل. وتشير التقديرات المرتبطة بإعداد الموازنة إلى أن كل زيادة قدرها دولار واحد فوق هذا المستوى قد تكلف الخزانة العامة ما بين 4 إلى 4.5 مليار جنيه سنويًا


وبالتالي، إذا استقرت الأسعار العالمية عند نحو 95 دولارًا للبرميل، فهذا يعني تجاوز السعر المرجعي بنحو 20 دولارًا تقريبًا. وبحساب بسيط، قد يمثل ذلك ضغطًا إضافيًا على الموازنة يتراوح بين 80 و90 مليار جنيه سنويًا، إذا استمرت هذه المستويات المرتفعة لفترة طويلة


وهنا تحديدًا يظهر العامل الأكثر حساسية في معادلة النفط: الزمن


ارتفاع الأسعار لفترة قصيرة قد يكون من الممكن استيعابه عبر أدوات السياسة المالية أو آليات التسعير المحلية. لكن إذا استمرت الأسعار المرتفعة لعدة أشهر أو لسنوات، فإن آثارها تصبح تراكمية. تبدأ الضغوط في الظهور تدريجيًا في الموازنة العامة، ثم تنتقل لاحقًا إلى تكلفة الإنتاج، ومنها إلى مستويات الأسعار في الاقتصاد


ولهذا السبب، لا تعتمد الحكومات فقط على سياسات التسعير المحلي لمواجهة تقلبات أسعار النفط. فهناك أدوات مالية أكثر تعقيدًا تُستخدم في أسواق الطاقة العالمية لإدارة المخاطر، مثل عقود الخيارات أو عقود المبادلة السعرية 


هذه الأدوات تسمح للدول المستوردة للطاقة بتثبيت تكلفة جزء من وارداتها أو وضع سقف سعري لفترة زمنية محددة، بما يقلل من تأثير الارتفاعات المفاجئة في الأسعار. وقد استخدمت مصر بالفعل في بعض الفترات آليات للتحوط في أسواق الطاقة الدولية بالتعاون مع مؤسسات مالية عالمية، وهو نهج تلجأ إليه العديد من الدول في ظل التقلبات المتزايدة في أسواق الطاقة


لكن حتى مع وجود هذه الأدوات، يظل العامل الحاسم هو مدة الصدمة السعرية. فإذا كانت الزيادة مؤقتة، يمكن للاقتصاد استيعابها. أما إذا استمرت لفترة طويلة، فإن آثارها تصبح أعمق وأكثر تعقيدًا


لهذا السبب، فإن النقاش حول أسعار النفط لا ينبغي أن يركز فقط على الرقم الذي يصل إليه سعر البرميل، بل على الفترة الزمنية التي يظل فيها عند هذا المستوى


ففي اقتصاديات الطاقة، قد يكون الزمن أحيانًا… أخطر من سعر النفط نفسه