Min menu

Pages

باهر عبد العزيز يكتب: من أعطى الروبوت حق التوقيع

 


بواسطة فريق: إيجي جيت نيوز 

لسنوات، كان التحول الرقمي في البنوك يعني شيئًا بسيطًا: أن نفعل الشيء نفسه الذي كنا نفعله داخل الفرع، ولكن عبر شاشة؛ سواء كان فتح حساب، أو تحويل أموال، أو شراء شهادة، أو سداد فاتورة. تغيرت القناة، لكن القرار ظل في يد الإنسان


اليوم، نحن نقترب من مرحلة مختلفة تمامًا؛ مرحلة لا تكتفي فيها التكنولوجيا بتنفيذ القرار، بل قد تشارك في صناعته


تخيل أن تقول لوكيل ذكاء اصطناعي: «سدّد التزاماتي، وحوّل السيولة الزائدة إلى أفضل عائد، ولا تجعل رصيدي يقل عن مائة ألف جنيه»، ثم تضع هاتفك جانبًا


بعد دقائق، يكون الوكيل قد راجع حساباتك، وقارن البدائل، واختار منتجًا ماليًا، ونفذ سلسلة من المعاملات


أنت لم تضغط على زر التحويل


أنت فقط حددت الهدف


والآلة اختارت الطريق


وهنا يبدأ السؤال الحقيقي: من أعطى الروبوت حق التوقيع


قد يبدو السؤال ساخرًا، لكنه في الحقيقة يلامس واحدة من أكبر قضايا الحوكمة التي قد تواجه القطاع المالي خلال السنوات المقبلة


فنحن ننتقل تدريجيًا من نموذج واضح: الإنسان يقرر والآلة تنفذ، إلى نموذج أكثر تعقيدًا: الإنسان يحدد الهدف، والآلة تفسر وتختار ثم تنفذ


وهذا الفارق البسيط في الكلمات، ضخم في أثره


فإذا قال العميل للوكيل: «حقق لي أفضل عائد ممكن دون مخاطرة كبيرة»، ثم اختار الوكيل منتجًا لم يكن العميل يقصده، وحدثت خسارة، فمن المسؤول


هل هو العميل لأنه منح التفويض


أم البنك لأنه سمح للوكيل بالدخول إلى النظام


أم شركة الذكاء الاصطناعي التي صممت النموذج


أم مزود الخدمة الذي ربط الوكيل بالحساب


الأصعب من ذلك أن الخطأ قد لا يكون تقنيًا من الأساس


قد يكون النظام قد عمل تمامًا كما صُمم، لكنه ببساطة فهم رغبة العميل بطريقة مختلفة عن قصده الحقيقي


وهنا نكون قد غادرنا عالم تكنولوجيا المعلومات، ودخلنا مباشرة إلى عالم الحوكمة والمسؤولية


منذ عقود، تعتمد البنوك على مبدأ أساسي «اعرف عميلك»: اعرف من يتعامل معك، وتحقق من هويته، وافهم نشاطه، واعرف المستفيد الحقيقي، وراقب نمط تعاملاته


لكن السؤال الذي يفرض نفسه الآن هو: ماذا يحدث عندما لا يكون من يتفاعل مع البنك هو العميل نفسه، بل وكيل رقمي يتصرف نيابة عنه


ربما يحتاج القطاع المصرفي إلى إضافة مفهوم جديد: اعرف وكيل عميلك


في المستقبل، لن يكفي أن يعرف البنك من هو صاحب الحساب. قد يحتاج أيضًا إلى معرفة من هو الوكيل الذي يتحرك نيابة عنه، وما الصلاحيات التي مُنحت له، وما الحد الأقصى الذي يمكنه إنفاقه، وما نوع القرارات التي يُسمح له باتخاذها، وهل يملك حق التنفيذ فقط أم حق الاختيار أيضًا


وهنا قد يتغير مفهوم «التوقيع» نفسه


في النظام التقليدي، كان التوقيع تعبيرًا واضحًا عن الإرادة. وفي النظام الرقمي، حلت المصادقة الإلكترونية محل جزء كبير من هذا الدور. أما في عالم الوكلاء الأذكياء، فقد يصبح التفويض عبارة عن مجموعة من الحدود الواضحة


لا تنفق أكثر من هذا المبلغ


لا تتعامل مع هذه الدول


لا تحول إلا إلى مستفيدين محددين


لا تشترِ إلا منتجات منخفضة المخاطر


واطلب موافقتي إذا تجاوزت العملية حدًا معينًا


أي أننا قد ننتقل من الموافقة على كل معاملة إلى حوكمة سلطة الوكيل


وهذه، في رأيي، نقلة كبيرة في فلسفة الرقابة المصرفية


وفي هذا العالم، لن يكون كافيًا أن يكون لدى العميل كلمة مرور أو بصمة. قد يحتاج أيضًا إلى زر يعيد إليه السيطرة فورًا: زر واحد يلغي، في لحظة، جميع صلاحيات الوكيل إذا اشتبه العميل في اختراقه أو شعر بأنه فقد السيطرة عليه.


لكن حتى هذا لن يحل كل شيء


فأنظمة مكافحة الاحتيال الحالية صُممت إلى حد كبير على أساس اكتشاف السلوك غير المعتاد للعميل. لكن ماذا يحدث عندما يصبح جزء كبير من هذا السلوك صادرًا أصلًا عن آلة


قد يتحرك الوكيل بسرعة أكبر، وقد ينفذ معاملات على مدار الساعة، وقد يتعامل مع عدد من الأطراف التي لم يكن العميل نفسه يتعامل معها


عندها سيصبح على البنك أن يفرق بين سلوك العميل، وسلوك وكيله المشروع، وسلوك وكيل تم اختراقه


وهنا نكون أمام مستوى جديد تمامًا من المخاطر


المشكلة الأكبر، في رأيي، أن بعض المؤسسات قد تتعامل مع الأمر باعتباره مشروعًا تقنيًا جديدًا يخص إدارة تكنولوجيا المعلومات


وهذا سيكون خطأ


لأن القضية الأساسية ليست التكنولوجيا، وإنما السلطة


من يملك حق اتخاذ القرار


ومن يملك حق تفويضه


وإلى أي مدى


وما القرارات التي يجب أن تظل في يد الإنسان، مهما تطورت التكنولوجيا


هذه كلها أسئلة تخص مجلس الإدارة قبل أن تكون أسئلة تخص قسم تكنولوجيا المعلومات


حتى المراجعة الداخلية ستحتاج إلى إعادة النظر في أدواتها ومنهجياتها


فالسؤال لن يكون فقط: هل حصلت المعاملة على موافقة


بل: هل من وافق عليها كان يملك أصلًا هذه الصلاحية؟ وهل كانت حدود الوكيل مصممة بشكل سليم؟ وهل يمكن إيقافه فورًا؟ وهل توجد سجلات كاملة لكل قرار اتخذه؟ وهل تستطيع المؤسسة، بعد وقوع مشكلة، أن تعيد بناء ما حدث خطوة بخطوة


من أعطاها التعليمات


ماذا فهمت منها


ما البيانات التي اعتمدت عليها


ما البدائل التي كانت أمامها


ولماذا اختارت هذا القرار تحديدًا


وهنا يصبح توثيق القرار نفسه جزءًا من الرقابة، وليس مجرد توثيق للمعاملة


تاريخ التكنولوجيا يقول دائمًا إن الابتكار يتحرك أسرع من الحوكمة


المدفوعات الرقمية سبقت كثيرًا من الضوابط، والحوسبة السحابية انتشرت قبل أن تنضج أطر إدارة مخاطرها، والذكاء الاصطناعي يسير اليوم في الاتجاه نفسه


لكن الفارق هذه المرة أن التكنولوجيا لا تقترب فقط من نقل الأموال


إنها تقترب من اتخاذ قرارات بشأنها


ولهذا، فإن السؤال الذي اعتادت البنوك طرحه لعقود: من هو العميل؟ قد لا يكون كافيًا طويلًا


وسرعان ما قد يظهر سؤال أصعب: من الذي يتصرف نيابة عنه


وعندما تصبح الإجابة: وكيله الذكي، لن يكون أمام البنوك سوى إعادة النظر في جزء من قواعد الحوكمة، وربما إعادة تعريف بعض المفاهيم التي بدت لسنوات مستقرة وواضحة


فالقطاع المالي لا يستطيع أن يمنح الآلة سلطة التصرف دون أن يحدد، في الوقت نفسه، حدود هذه السلطة، وآليات الرقابة عليها، ومسؤولية من منحها


وفي النهاية، لا تكمن القضية في أن الروبوت أصبح قادرًا على التوقيع، وإنما في أن أحدًا ما يجب أن يكون قد منحه هذه الصلاحية


وهنا يظل السؤال الأهم، وربما الأكثر إلحاحًا أمام القطاع المصرفي في عصر الوكلاء الأذكياء: من أعطى الروبوت حق التوقيع